كعادتي في
البحث والقراءة عن سيّر علماء الشيعة غير المشهورين ثُمّ محاولة الكتابة عنهم؛
فإنني كنت أتصفّح كتاب تتميم أمل الآمل للشيخ عبد النبي القزويني، ففي صفحات
الكتاب استوقفني اسم (إسماعيل المازندراني) فصرت أطّلع على ما كتبه عنه، فوجدت منه
مدحاً كثيراً له: "كان من العلماء الغائصين في الأغوار والمتعمقين في العلوم
بالاسبار واشتهر بالفضل"، وزاد حماسي للتعمّق في معرفة هذه الشخصية، فيستمر
القزويني بقوله: "وكان من فرسان الكلام ومن فحول أهل العلم وكثرة فضله تزري
بالبحور الزاخرة عند الهيجان والتلاطم والجبال الشاهقة والأطواد الباذخة إذا قيست
إلى علو فهمه كانت عنده كالنقط والدراري الثاقبة إذا نسبت إلى نفوذ ذهنه كأنها
حبط". (تتميم أمل الآمل ص67)
ونقل عنه قصّة
في كثرة اطلاعه وقدرته العالية على استيعاب المعلومات وحفظها فقال: "حكى عنه
الثقات أنه مر على كتاب الشفاء ثلاثين مرّة إمّا بالقراءة أو بالتدريس أو
بالمطالعة. وأخبرني بعضهم أنه كان سقط من كتاب الشفاء عنده أوراق، فكتبها من ظهر
قبله؛ فلمّا عورض بكتاب صحيح ما شذ منها إلا حرفان أو حرف". (تتميم أمل الآمل ص67-68)
ولم تكفني
الترجمة الموجودة في كتاب تتميم أمل الآمل، وإذ كنت أبحث عن مزيد من المعلومات
التفتُّ إلى بعض المصادر المذكورة في الهامش والتي ترجمت للعالم المذكور، وكان
منها روضات الجنات، وأعيان الشيعة. وترجمته في روضات الجنّات موجودة في المُجلّد
الأول من الكتاب، وهو للأسف الشديد غير موجود على الإنترنت فلم تُتَح لي الفرصة
للإطلاع عليه وعلى هذه الترجمة، ولكنني أخذتُ بقراءة الترجمة الموجودة في الأعيان.
وفي الأعيان
وجدت الاسم الكامل لهذا العالم فهو: "المولى إسماعيل بن محمد حسين بن محمد
رضا بن علاء الدين محمد المازندراني الأصفهاني الخاجوئي"، وقال في توضيح (الخاجوئي): "والخاجوئي منسوب إلى خاجو من محلات أصفهان لتوطنه بها". (أعيان الشيعة ج3 ص402)
ومما لفت
انتباهي فيما ذكره صاحب الأعيان عن ما قد يكون سبباً لعدم شهرة هذا العالم، وهو
أنّ إيران قد تعرّضت للغزو الأفغاني فشغل ذلك الناس، فيقول: "وكان هذا الشيخ
في عصر استيلاء الأفغان على ممالك إيران واستباحتهم دماء الشيعة واعراضهم وأموالهم
في كل مكان لا سيما أصفهان ولذلك لم يكن له ولمؤلفاته كثير اشتهار بين
العلماء". (المصدر نفسه)
وقد كان الوضع
في تلك الفترة صعباً وعسيراً، وإنني وقد كنت أستبشع ما حصل ولكننا لا ندفن التاريخ
ونُخبّأ الحقائق بل نكشفها مهما كانت مؤلمة فيذكر صاحب الأعيان بخصوص تلك الأحداث:
"حيث انجر الكلام إلى فعل الأفغان ببلاد إيران فلا بأس بالإشارة إلى هذه
الواقعة لأن النفس تتطلع عند سماعها إلى معرفتها وخلاصتها أنه في سنة 1133 أو 34
أو 36 أو 37 في عهد الشاه حسين بن الشاه سليمان الصفوي وكان ضعيف التدبير؛ حاصر
جيش الأفغان قاعدة ملكه أصفهان ثمانية أشهر، ومنعوا عن أهلها القوت، فغلت فيها
الأسعار حتى بيع من الحنطة وهو ثمانية عشر رطلاً بالعراقي بخمسة توأمين، وهي ألف
درهم ثم نفدت الحنطة والأرز وسائر الحبوب والغنم والبقر، فأكل الناس لحوم الخيل
والبغال والحمير حتى نفدت، فأكلوا لحوم الكلاب والسنانير، ثم لحوم الأموات، ثم قتل
بعضهم بعضاً ابتغاء لحمه، والأسعار خارج البلد في غاية الرخاء، فالتجأ أهل البلد
إلى التسليم وفتحوا أبواب المدينة فدخلها جيش الأفغان". (المصدر نفسه(
وقد ذكر كذلك
صاحب الأعيان بعض تلامذة هذا العالم فمنهم ، كما ذكر سبعة عشر عنواناً من عناوين
كتبه ومُؤلّفاته ومُصنّفاته ورسائله. (أعيان الشيعة ج3 ص403)
وحيث أن رصد
التراث الشيعي من كتب العلماء التي لا تزال حبيسة للمخطوطات يُعد من ضمن اهتماماتي
فصرتُ أبحث عن معلومات أكثر عن العناوين المذكورة في موسوعة الذريعة للشيخ آغا
بزرگ الطهراني (رضوان الله عليه)، ولاحظت أن الشيخ الطهراني يصف الشيخ المازندراني
بعبارة "صاحب المئة وخمسين تصنيفاً". (الذريعة ج16
ص61)
لكن مع ذا فأن
الذريعة حسب اطلاعي لم يُذكر فيها إلا جزءٌ يسير من مؤلفات الشيخ المازندراني، ذلك
لأنني صرت أتجوّل في بعض المواقع بحثاً عن أي معلومات فوجدت كتاباً لنفس الشيخ
إسماعيل المازندراني إسمه الدرر الملتقطة في تفسير الآيات القرآنية فسارعت بفتحه
والنظر فيه ففيه مُقدّمة بقلم السيد مهدي الرجائي كتب فيها الكثير من المعلومات عن
الشيخ إسماعيل وسمّاه بالمُحقّق الخاجوئي وجعل في هذه المقدمة قائمة بعدد كبير من
كتب الشيخ إسماعيل يتبيّن منها أن هذا العالم له تراث علمي ضخم، فلديه كتب في
الكثير من العلوم الإسلامية؛ كالفقه والحديث والتفسير والكلام. (الدرر
الملتقطة ص21-27)
وقد نقل
السيّد الرجائي في مقدمته توثيق الشيخ المُحدّث عباس القمي (رضوان الله عليه)
للشيخ إسماعيل المازندراني المعروف بالمُحقّق الخاجوئي، حيث ذكره الشيخ القمي في
كتابه القيّم الكنى والألقاب وقال عنه: "العالم الورع الحكيم المتأله الجليل
القدر من أكابر علماء الإمامية. قالوا في حقه: كان آية عظيمة من آيات الله وحجة
بالغة من حجج الله، وكان ذا عبادة كثيرة وزهادة خطيرة، معتزلاً عن الناس، مبغضاً
لمن كان يحصل العلم للدنيا". (الكنى
والألقاب ج2 ص200)
فالمُحقّق
الخاجوئي عالمٌ له تلك المكانة الرفيعة، وما يهُمّني هنا أنه بعد أن عرفنا من هو
هذا العالم، وبعد أن عرفنا مكانته الرفيعة؛ وجب علينا أن نعرف أنه قد ألّف كتاباً
ليُعرّي فيه أئمة الظلم والجور الذين ظلموا أهل البيت (عليهم السلام) وبالأخص منهم
من قتلوا الزهراء (عليها السلام) وظلموها وغصبوا حقّها واسم هذا الكتاب هو طريق
الإرشاد إلى فساد إمامة أهل الفساد وقد خصّص هذا الكتاب لاستعراض الأدلة الدالة
على جواز لعن الغاصبين لحقوق الأئمة (عليهم السلام) وما جرى منهم على فاطمة البتول
(عليها السلام) من الأذى والظلم، وقد ذكر ذلك السيّد الرجائي في مقدمته على كتاب
الدرر الملتقطة في تفسير الآيات القرآنية المارّ ذكره. (الدرر
الملتقطة ص20)
والسؤال الذي
يُكرّر هنا: لماذا يبقى هذا التراث مدفوناً؟! لماذا تبقى مثل هذه الكتب حبيسةً
للمخطوطات؟! لماذا لا تُشكّل لجان ومؤسسات تُحيي هذه الكتب القيّمة التي تُبيّن
السيرة الصحيحة لعلماء التشيُّع الأبرار الذين كانوا يسيرون في طريق النيل من
أعداء أهل البيت (عليهم السلام) وفضحهم ولعنهم؟!
أبو لؤلؤة
البحراني
17 ذو الحجة 1433 هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق